الرأي | "إيده تتلف في حرير".. حربي أشهر كفيف يعمل في صناعة الفخار بقنا

هنا في قرية طوخ جنوب قنا ملحمة جديدة بطلها الصبر وموقد فتيلها الإرادة تطلعنا علي قصة أول كفيف يعمل في صناعة

محافظة قنا,قنا,الرأي نيوز,حربي أشهر صانع فخار اعمى,صانع الفخار الكفيف

الإثنين 30 مارس 2020 - 18:52
رئيس مجلس الإدارة
علاء الشرقاوي
رئيس التحرير
محمد عصام

"إيده تتلف في حرير".. حربي أشهر كفيف يعمل في صناعة الفخار بقنا

كفيف يعمل في صناعة الفخار بقنا
كفيف يعمل في صناعة الفخار بقنا

جسم نحيف تأثر بعثرات الزمن، وبشرة مثل لون حبات القمح المزروعة بجوار أرض عمله، وعجينة من الطين الأسمر أعدت بعانية مسبقة، تتحسسها أيدي الحرفي لتخرج ما لم تراه أعينه من سنوات عديدة، فاحساس وتوقع كفيلان أن يتنج "حربي علي"، مئات القطع الفخارية التي تزين الأسواق، دون تمتعه بالنظر الذي ذهب رويدًا من أن كان في شبابه.



 

هنا في قرية طوخ جنوب قنا، ملحمة جديدة بطلها الصبر وموقد فتيلها الإرادة، تطلعنا علي قصة أول كفيف يعمل في صناعة الفخار بقنا، متغلبًا علي عقبات الحياة، لتعطيه الحرفة قبلة العيش وتكملة مسيرة العطاء.

 

بكلمات مرصوصة مثل الألماس وذاكرة حديدة لا تنسي ما دونته في فترات سابقة، يحكي خريج قسم اللغة العربية بجامعة الأزهر لعام 1996، رحلته مع صناعة الفخار ومولده الجديد بعد فقدانه البصر، ليشرد بذهنه إلى بدايات تعلم الحرفة، وما يتمناه ويأمله في الأيام القادمة، توقد من خلالها شعاع نور من وسط عتمة الظلام التي عاشها منذ عام 2008 حين فقد نظره كليًا.

 

بصوت خافت ونبرات حزينة، بدأ صاحب الـ45 عامًا حديثه، عن بداية عمله في صناعة الفخار، حيث عمل مع والده بها منذ الصغر، فكان العمل بمثابة اللعب بأشكال طينية مثل الصغار إلي أن توفي والده في المرحلة الابتدائية وكان الشقيق الأكبر كمال قد ورث المهنة فسد فراغ الموت وورثها لنا، وعملت في البداية مساعدًا له أضع القوالب الطينية بجانبه والتقط منه ما يقوم بصنعه حتي تخرجت من الكلية في عام 1996، وجاهدت لإتقان الحرفة لكي تصبح مصدر دخل أنفق علي نفسي وأسرتي منه مثل الأخ الأكبر.

 

"أصبحت معلم وصنايعي".. بهذه الكلمات يتابع حربي، حديثه عن الصناعة والحرفة التي أتقن دروبها، وتفنن في صناعة منتجاتها، ليصبح من أشهر عاملي صناعة الفخار في بلدته ويتوافد التجار علي مكانه لعقد شراكات وشراء كميات من منتجاته مثل "الزير، والطواجن، والقلل"، التي يعمل فيها يدويًا بأدوات بسيطة من الطبيعة.

 

وأشار حربي علي، أن بعد سنوات من العمل في الصناعة ظهرت ما لم يكن في الحسبان، فقد عاني من مشكلات كبيرة وهو وأشقائه الإثنين، في نظرهم لتتجمع المياه البيضاء علي الأعين، ويجدون صعوبة في إجراء عمليات بمبالغ كبيرة، احتاجت بعضها لـ 70 ألف جنيهًا، وانتهت حياتهم بالعمي، ولكن لجأ الحرفي بعدها إلي عمليات جراحية بسيطة في عامي 2007 و2008 أملًا في إعادة النور لبصره.

 

وتابع الحرفي، مكثت في القصر "أبو بلاش" مدة تزيد عن 6 أشهر للحصول علي القرنية وإجراء عملية لكن دون جدوي، فشعرت بالملل وعدت إلي القرية حامدًا ربي علي ذلك، ومارست أعمال الفخار بالإحساس  والتعود كما كنت أفعل في السابق، معتمدًا علي اليدين ولا أجد صعوبة في ذلك العمل.

 

صناعة "الزير"، تمر بعديد من المرحل بحسب حربي، فالصناعة تبدأ بتجهيز الطين ووضعه علي "الطقية"، وهي المكان المخصص المصنوع من من الفخار أيضًا، ويخلط بالرماد ليسهل استخراجه، ثم تبدأ مرحلة صناعة "رقبة الزير" التي تعتمد علي الحرفة والدقة، تتبعها مرحلة الحرق في فرن كبير، حيث توضع الأواني الفخارية والأزيرة بطريقة معينة للتحول بعدها إلي فخار أكثر صلابة من الطين، وتباع إلي التجار في الأسواق والأهالي.

 

ولفت :" كان نفسي في ولد.. في كل مرة تحمل زوجتي أتمني أن أنجب ولدًا، ولكن للمرة الخامسة تنجب زوجي بنت وأحمد الله في كل الأحول، وأتمني أن يكملون تعليهم وأن ينالوا نصيبًا من الحظ والتوفيق الذي عاندني لسنوات، بهذا الحديث يختتم حربي كلماته عن حياته الأسرية وعمل في الفخار".